sidi bel abbes
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي



 
الرئيسيةالبوابةالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حال المرأة المسلمة في البوسنة والهرسك

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة




البلد : الجزائر

اسم متصفحك :
تاريخ التسجيل : 01/01/1970
40 / 10040 / 100



مُساهمةموضوع: حال المرأة المسلمة في البوسنة والهرسك   الجمعة سبتمبر 23, 2011 12:01 am

حال المرأة المسلمة
في البوسنة و الهرسك
و تأثره بالسنة النبوية

تأليف الدكتور : أحمد عبد الكريم نجيب
أستاذ الحديث النبوي و علومه في كلّية الدراسات الإسلاميّة بسراييفو ، و الأكاديميّة الإسلاميّة في زينتسا
و مدرّس العلوم الشرعيّة في معهد قطر الديني سابقاً



إن بمقدور المرء حينما يُلقي نظرة ـ و لو سريعة ـ على أي تجمع بشري أن يجزم بوجود مسلمين فيه ، و مدى التزامهم ـ في حال وجدوهم ـ بدينهم ، من خلال مظهر نسائه و سلوكهن .
فالمرأة المسلمة بقرارها في بيتها ، و عدم اختلاطها بالرجال ، أو خروجها باللباس الشرعي ـ إن خرجت ـ تدلل على انتمائها إلى الإسلام و التزامها به .
فماذا عن المرأة البوسنوية ؟
لا شك أن حال المرأة المسلمة في البوسنة لم يكن مختلفاً عن حال أخواتها في الشرق الإسلامي أثناء الحكم الإسلامي لبلادها ، و لكن تغيُّر الحال كان قرين ضعف الخلافة ، و سقوط البوسنة و ما جاورها من بلاد البلقان تحت الحكم النمساوي المجري ، ثمَّ دخولها تحت سيطرة الصرب تارةً و الكروات تارةً أخرى باسم المملكة اليوغسلافية فالاتحاد اليوغسلافي الشيوعي الذي استمر حتى الحرب الأخيرة ، التي خرجت البوسنة في أعقابها دولةً مستقلَّة مقسمة .


المبحث الأول
الحالة الدينيَّة للمرأة البوسنويَّة المسلمة بعد جلاء الحكم الإسلامي عن بلادها
وصلت المرأة البوسنوية إلى أدنى دركات الانحلال و الانحطاط بعيداً عن قيم الإسلام و آدابه قُبيل الحرب الأخيرة ، حتى أصبح من المتعذر على المتأمل في تلك الحقبة أن يرى فارقاً بين النساء المسلمات و غير المسلمات في معظم المدن البوسنوية ؛ من حيث اللباس ، و السلوك ، و الآداب و غير ذلك ، حيث نافست الكثيرات من فتيات المسلمين الصليبيات في التعري و السفور ، و خرجت على إرادة ولي أمرها ـ الذي أخرسته القوانين و الإجراءات الشيوعية الجائرة ـ في أمور العفة و الطاعة و غيرهما ، و شاع اقتران الكثير من شبان الصرب و الكروات و الملاحدة ببنات الأسر المسلمة .
لكن هذه الصورة القاتمة تظل محصورة بين صورتين مشرقتين ، كانت إحداهما قبل سقوط البوسنة في قبضة الشيوعية التي مسخت شخصية المرأة المسلمة باسم التحرير و التطوير ، أما الصورة الأخرى فهي التي بدأت تتشكل بعد سقوط الشيوعية و شروع المجتمع الإسلامي في استعادة هويته ، و العودة إلى دينه و تراثه .
ففي بداية القرن الرابع عشر الهجري كانت المرأة المسلمة في البوسنة محتشمة ، قارة في بيتها ، ضاربة بخمارها على جيبها ، لا تختلف في ذلك عن أختها في بلاد المسلمين الأخرى .
يقول العلاَّمة الخانجي في مقدمة ( الجوهر الأسنى ) متحدثا عن حال مسلمي البوسنة : (( و نساؤهم محتجبات ٌ، محتشمات لا يرى منهن في الشوارع شيء ، لا الوجه و لا اليدان و لا غير ذلك ، إلاَّ التي اتبعت الشيطان ، و انجرت وراء
المفسدين )) .
فحجابهُن كان كاملاً يستر كامل البدن بما فيه الوجه والكفَّان ، الأمر الذي لم يعد موجوداً إلا في ذاكرة العجائز و المُسنِّين ، الذين يتندرون بذكر النساء الفضليات اللاتي أدركن ذلك العهد الزاهر .
و قد رأيت صوراً لنساء كثيرات كن يسدلن الخمر على رؤوسهن ، و النقب على وجوههن ، حتى إن بعض المسلمين اليوم يعبر عن انتمائه و حبه للإسلام بعرض صور لجده بلباس الإحرام و جدته و قد أسدلت النقاب على و جهها .
الأمر الذي كان يلفت أنظار من زار البوسنة في ذلك الوقت ، و من هؤلاء ولي عهد مصر السابق الأمير محمد علي باشا بن الخديوي توفيق رحمه الله ( ت 1374 هـ / 1955 م ) الذي زار البوسنة ـ متنكرا ـ عام 1317 هـ / 1900 م ، و دوَّن أحداث رحلته في كتاب طُبع أثناء الحرب البوسنوية الأخيرة ، و فيه يصف ملابس النساء المسلمات في البوسنة ، و يذكر بعض عاداتهن الدالة الحشمة و العفة فيقول : (( أما النساء المسلمات فيلبسن الفرجية و يتنقبن ببراقع تستر كل الوجه ، غير أن لكل واحد فرجتين إزاء العينين بقدر ما تسع خيوط النظر ، و لذلك كان من النادر أن يرى الإنسان وجوه أولئك السيدات ، و من عاداتهن أن لا يخرجن من بيوتهن و لا يتجاوزن خدورهن إلا للحاجات عندما تستدعي الضرورة
خروجهن )) .
و يُقيد مشاهداته و شهاداته في موضع آخر فيقول : (( و فيما نحن منحدرين صادفنا في طريقنا بعض السيدات المسلمات و كنَّ يسترن بالنقاب كل وجوههن ، كما بيَّنا ذلك في جملة عوا ئدهن ، و فوق ذلك رأيناهن يبالغن في التستر و يغالين في الاستخفاء بتحويل و وجوههن إلى الحائط و بتحويل جميع الأجسام حتى لا يبدو منهن شيء ، و إن ذلك لشيء من فرط الحياء ، و الحرص على الأخلاق الإسلامية و العوائد الشرقية )) .
و ذكر المؤرِّخ التركي الشهير أوليا شلبي من تمسك المرأة البوسنويَّة بدينها الشيء الكثير ، و وصفهنَّ بأنهنَّ متدينات و عفيفات ، و قد كان لهذا التمسك بالدين أثره على الفصل بين الرجل و المرأة في المجتمع ، حتى إنَّ الفتيات – كما يذكر شلبي – كنَّ لا يرين وجه رجل ، و لا يسمعن صوت رجل سوى صوت والدهن قبل الزواج .
إلا أن هذه الصورة المشرقة للمرأة البوسنوية المسلمة لم تدم طويلاً بعد سقوط الخلافة ، و تسلط الأعداء على المسلمين البشانقة و بلادهم ، حيث بدأت هذه الصورة تحسر في الأرياف و القرى بعيداً عن ( سراييفو ) حاضرة البلاد ، و هو ما أشار إليه أحد البشانقة الذين رافقوا الأمير محمد علي في رحلته فقال مخاطبا ذلك الأمير : (( … إنكم لا بد عرفتم مما شاهدتموه في سراييفو تأخرنا ، و أدركتم تقهقرنا حتى لقد صرنا إلى ما ترون ، و حتى إن النساء اللواتي كنَّ يحافظن على شرفهن و يبالغن في الحرص على عوا ئدهن أخذن ينسلخن عن تلك الأخلاق شيئاً فشيئاً )) .
إلا أن هذه الحال لم تبلغ حد التبرج و السفور ، بل ظلت عامة النسوة في تلك البلاد محتشمات متحجبات ، يبدو حالهن حسناً في و صف سماحة الحاج محمد أمين الحُسيني رحمه الله بعض ما شاهده في مدينة بانيالوكا سنة 1362 هـ / 1943م ، حيث قال :
(( دُهشنا لِمُشاهدتنا أهل بانيالوكا يلبسون العمائم و الطرابيش ! و نساؤهم مُحجَّباتٌ ، و شعرنا كأننا نجتاز شوارع القدس القديمة ، أو سوق الحميدية في
دمشق )) .
لكنَّ هذه الهيئة التي كانت تتميز بها مسلمات البوشناق ، لم تدم طويلاً ، فقد أُصيب التقيُّد بالحجاب الشرعي ، و الالتزام بالنقاب ، الذي كانت تتميّز به المرأة البوسنويَّة بنكستين كان لهما الأثر البالغ في القضاء عليه فيما بعد حتى لم يعُد له وجود يُذكر في البوسنة أثناء الحكم الشيوعي للبل ، و هاتان النكستان هُما :
النكسة الأولى : تخلي عُلماء المسلمين عن الدعوة إلى الحجاب ، و تحريم السفور و الحكم بتحريمه ، علاوةً على أنَّ بعض العلماء ذهب مذهباً أبعد فيه النُجعة فدعى إلى السفور صراحةً ، و حذَّر من النقاب أشدَّ التحذير ، و من هؤلاء رئيس العلماء الشيخ محمد جمال الدين تشاوشيفيتش ، الذي نادى بالإصلاح و التجديد ، و خلُص إلى القول : (( إنِّي أفضل أن أرى فتاةً مُسلمة غير محجبة تكسب قوتها بشرف ، عن أخرى تمشي محجبة في الشوارع نهاراً ، ثمَّ تقضي ليلها في أحد
المقاهي )) .
أمَّا النقاب فقد أكد تشاوشيفيتش أنه عادة شرقية و ليس واجباً دينيَّاً بحال .
و انتصر لدعوة تشاوشيفيتش عدد من الكتّاب العصريين ، و روّجوا لأفكاره عبر الخطابة و التأليف ، و من أشهرهم عثمان نوري حاجيتش ، الذي دعا في كتابه المسمى ( محمد و القرآن ) إلى تخلي المرأة المسلمة عن حجابها و جلبابها لتقف إلى جانب أخواتها اليوغسلافيَّات على قدم المساواة .
و من الإنصاف الإشارة إلى أنَّ تشاوشيفيتش و أنصاره كانوا أقليَّة ، بينما كان السواد الأعظم من عُلماء البوسنة يعارضون هذه الدعوة ، فقد ثاروا عليه و اعترضوا و احتجوا ، حتى صدر قرار من المجلس الإسلامي في سراييفو يدين آراءه و يفندها ، إلا أن السلطة غلبت الدليل فقد تغلب رئيس العلماء على منافسيه ، و فرض رأيه بدعم من الحكومة التي نصبته رئيساً للعلماء بين عامي1331 هـ و 1348 هـ / 1913م و 1930م .
و ممَّن تصدَّى لهذه الدعوة ، و كشف زيغ دُعاة السوء الذين يروِّجونها ، الشيخ محمد الخانجي رحمه الله حيث وقف أمامهم كالطود الشامخ ، و تصدى لما أطلقوه من دعاوى التقدم و التطوُّر مؤكداً أن لا اجتهاد في مورد النص ( من الكتاب و السنة ) ، و لا يجوز بحال تقسيم الدين إلى قشرٍ و لُباب ، أو أحكام كلِّيَّة و أخرى جزئيَّة ، بحيث تتغيَّر الجزئيَّة عند الحاجة 0
و في تلك الأثناء كتب الشيخ علي رضا قرت بيك رسالة أسماها ( مسألة الحجاب ) و نشرها في موستار ، و كتب الشيخ إبراهيم حقي تشوكيتش رسالة أخرى بعنوان ( تستر المسلمات ) و نشرها في توزلا ، و كلا الرسالتين جاءت رداً على فتوى الشيخ محمد جمال الدين و أنصاره من أتباع المدرسة العقلية الحديثة في البوسنة .
النكسة الثانية : منع الحكومة الشيوعيَّة للحجاب بكافة صوره ، و بشكلٍ رسميٍّ ، و قد صدر قانون بذلك سنة 1369هـ/1950م ، أحرقت بسببه الملابس الشرعيَّة ، و اعتقلت المحجبات ، بينما لازمت بعض العجائز بيوتهنَّ حتى وافاهُنَّ الأجل ، و طورد الآباء الذين اعترضوا على تجريد بناتهنَّ من الحجاب ، و زُجَّ بالآلاف منهم في غياهب السجون .
و ساعد الحكومة الشيوعية على قمع معارضي قرارها الجائر بخصوص النقاب و الحجاب ، تبرير العلماء الرسميين ( المعينين من قبلها ) لهذا القرار ، و منهم إبراهيم فيبتش رئيس العلماء في ذلك الوقت .
و أمام هاتين النكستين لم تعد المرأة قادرة على الالتزام بدينها ، و الحفاظ على مظهرها و سلوكها الإسلاميين ، فألقت عن عاتقها الحجاب و الجلباب ، و نزلت إلى ميادين العمل ، و انخرطت حتى في صفوف الحزب الشيوعي منسيَّة و متناسيةً طبيعة و واجبات المرأة المسلمة .
و لم يزل الحال في تردٍّ حتى خلف من البشانقة خلف نظروا إلى الحجاب على أنَّه عادة شرقيَّة ، تدلُّ على التخلُّف و الرجعيَّة ، مثَلُه في ذلك مَثل سائر الآداب الشرعية ، كبرِّ الوالدين ، و عدم الاختلاط ، و انتشرت مقالات هذا الخلف السيئ على صفحات مجلة ( البلاغ ) الشهرية التي تصدرها رئاسة العلماء في البوسنة و الهرسك و تعرف بدعوتها إلى تحرير المرأة ، فقد كتب سليم سقروفيتش فيها مقالاً تحت عنوان : ( المرأة المسلمة و الحجاب : دعوة إلى تخليها عنه ) ، و تلاه حامد كوكيتش بنشر مقال تحت عنوان : ( آن الأوان للخلاص من الحجاب ) ، ثمَّ ذرَّ قرن أعداء الحجاب فتوالت كتاباتهم في معارضته ، و التحريض على خلعه .
و مع ازدياد النعرات الجاهلَّية بين صقالبة الجنوب ، واصل الشيوعيُّون العمل على إذابة المسلمين في المجتمع الشيوعي ، و القضاء على ما تبقَّى في حياتهم من مظاهر تميزهم عن جيرانهم من الصرب و الكروات ، و أكبر مثال على ذلك إشاعة الزواج المختلط بين المسلمين و النصارى ، حيث عمدت السلطات الشيوعية في البوسنة إلى تشجيع الزواج بين الفتيات المسلمات و شبان الصرب و الكروات ، و مع أن هذه السياسة كانت تطبق تحت حجة دعم الأخوة بين الشعوب و تنمية الروح اليوغسلافية ، فإنها كانت في حقيقة الأمر تستهدف إذابة المجتمع المسلم بالدرجة الأولى ، ذلك أن هذه السياسة لم يكن الحزب يهتم إلا بتطبيقها في المناطق التي تقطنها غالبية مسلمة ، و لا يدعو إليها في الأنحاء الأخرى من البلاد .
و مع مرور الزمن أصبح هذا الأمر معتاداً ، و حقيقة واقعة لا منكر لها ، و لا مُعترض عليها ، إلى أن أثارتها من جديد الدكتورة مليكة صالح بيكوفيتش التي انضمت إلى طائفة المجاهدين الموقعين على البيان الإسلامي ، التي رأَسَها عزت ، و كان الموقف الفريد لمليكة أن آثرت الطلاق ، و رفضت الحياة في كنف زوجها ، بعد أن رفض التخلِّي عن الشيوعية و الدخول في الإسلام ، فكانت أوَّل امرأةٍ تتصدى لفكرة الزواج المختلط ، و هو ما سنشير إليه لاحقاً إن شاء الله تعالى .
و زاد في المعاناة أنَّ بعض المفكرين الإسلاميين نظروا نظرة مماثلة إلى بعض مظاهر المجتمع الإسلامي كمسألة البعد عن الاختلاط ، مرددين في ذلك دعاوى غير المسلمين ، و ربما كانوا متأثِّرين بها .
فهذا الرئيس علي عزت بيك ـ مثلاً ـ يتناول مسألة الاختلاط بين الجنسين في المجتمع الإسلامي اعتماداً على ماقرره فيليب حتي ، في كتاب تاريخ العرب ، دون أن يتعقبه أو يستدرك عليه مما يدل على موافقته في رأيه بأن (( الاهتمام بالفصل الصارم بين الرجال و النساء قد ظهر بصورةٍ واسعةٍ في القرن الثالث للهجرة / العاشر للميلاد ، أي بعد مائتين و خمسين سنةً من نزول الوحي ، و يغلُب على الظن ، بأنه عادة اقتبسها المسلمون من البيزنطيين في عهد الخليفة الوليد الثاني )) .
و لا يتصدى لدعاة الاختلاط اليوم إلاَّ ثلَّة من شباب الجهاد ، الحريصين على إعادة الوجه المشرق للمجتمع الإسلامي البوسنوي ، بدون صدام مع معارضيهم من رجال الفكر و العلماء الرسميين .
و إزاء ضياع المرأة المسلمة وقف قلَّةٌ من الدعاة و المفكرين الذين ثبَّتهم الله تعالى في وجه تيَّار الانحلال ، يذودون عن البقيَّة الباقية من الحشمة و الآداب الإسلاميَّة ، و يدعون إلى إعادة المرأة إلى بيتها ، الأمر الذي لا يُمكن تحقيقه إلا باقتلاع فكرة مساواة المرأة بالرجل في الحياة العامَّة من جذورها ، و الحدِّ من خروج المرأة إلى الميادين العامة بحجة العمل ، حيث كانت تُستدرج إلى الفساد و الإلحاد .
و لذلك نادى الرئيس علي عزَّت بيك بإعادة النظر في مسألة المساواة بين الجنسين ، و تساءل ثمَّ أجاب قائلاً :
(( هل يقرر الإسلام مساواة الرجل و المرأة ؟
الجواب : نعم و لا .
نعم ، إذا تحدثنا عن المرأة باعتبارها شخصية إنسانية ذات قيمة شخصية مساوية تتحمل واجبات أخلاقية و إنسانية .
و لا ، إذا كان الأمر يتعلق بالتساوي في الوظائف و الدور في الأسرة و المجتمع كما يفهم معنى المساواة في أوروبا عادة )) .
و بعد هذا التساؤل و جوابه يقرر بجلاء ( أن الإسلام لا يقبل مساواة الرجل بالمرأة حسب المفهوم الغربي ، لا من أجل المساواة المجردة ، بل بسبب رفضه للسلوك و الأنماط التي أصبحت جزءاً من طريقة الإنسان في الحياة التي لا يقبل الإسلام أغلب جوانبها و أشكالها ) .
لكن صيحة الرئيس هذا لم تلق قبولاً يذكر في المجتمع ، لأنَّها واجهت معارضة شديدة من المشيخة الإسلاميَّة التي يدعوا رجالها إلى المساواة المطلقة بين الجنسين ، باعتبار ذلك أحد أهم أفكار مدرستهم العقلية التجديديَّة .
و يعتبر بعض العقلانيين في البوسنة و الهرسك هذه المساواة أمراً مقرّراً و مفروغاً منه في مبادئ الإسلام ، و في هذا السياق يقول الأستاذ حسين جوزو :
(( إن مساواة المرأة للرجل أمر يقرره الإسلام بلا شك )) .
و يرجع التفاوت بين الرجل و المرأة في الواقع ، بحسب رأي الأستاذ حسين جوزو - إلى جهل المرأة ، و بناء على ذلك (( فلكي تؤدي المرأة واجبها في المجتمع ، لا بد أن تؤهل لذلك تأهيلاً تحتاج فيه إلى التعليم بكافة تخصصاته ، و لا فرق في ذلك بين الرجل و المرأة ، لأن أول كلمة نزلت من القرآن الكريم ، هي كلمة
( اقرأ ) ، و هي أمر بالقراءة يشمل الرجل و المرأة ، و بناءً عليه يتعين على المرأة أن تدرس جميع العلوم ، و أن تتحمل جميع المسؤوليات العلمية تماماً مثل الرجل ، و أن تنافسه في الاختراعات العلمية . . . لأنها متساوية معه في كلِّ شيءٍ )) .



أمَّا الصيحة الثانية التي أطلقها الرئيس ، فترمي إلى نقض فكرة منافسة المرأة للرجل في العمل ، الأمر الذي يترتب عليه إخراجها من خدرها إلى معترك الحياة الذي يموج بالفتن و المغريات .
و لما لم يكن بمقدور الرئيس أن يحظر العمل بالكلِّية على المرأة ، اكتفى بوضع ضوابط و شروط صارمة تحول دون تسيُّب الأمور ، فجاء طرحه للموضوع على النحو التالي :
يثبت علي عزّت أن المرأة المسلمة شريكة الرجل في حياته الاجتماعية ، و مـماثلة له في كثيرٍ من الأمور ، و ربّما تفوّقت بعض النساء على بعض الرجال في بعض جوانب الحياة العلميّة و الأدبية .
و ما دام الأمر على هذه الحال فإن من حق المرأة ( و ربّما كان واجباً عليها في بعض الأحوال ) ممارسة العمل الملائم لفطرتها و في حدود طاقتها ، و هو ما يتطلب أحياناً خروجها من البيت .
و لكن الرئيس لا يدع الأمر على إطلاقه ، و لا يسوِّغ للمرأة الخروج للعمل ما لم يكن العمل ضرورياً و مناسباً و ليس على حساب أطفالها و وظيفتها الأساسية (الأمومة) ، و لا يكون كذلك إلا في حالات محدودة معدودة مثل :
1. أن تكون بلا زوج ، و عليها إعالة أطفالها أو والديها أحدهما أو كليهما .
2. أن لا يكون لديها أبناء ، سواء كانت عقيماً لم تنجب ، أو أنها أنجبت أبناء ثم استقلوا عنها على كِبَر .

3. أن يكون عملها مناسباً لجبلَّتها و الطبيعة التي خُلقت عليها .
4. أن يكون عملها في الحالات الاستثنائية كالحروب و غيرها .
و على أرض الواقع تعتبر هذه الضوابط حائلاً دون تسيُّب المرأة و خروجها إلى حدٍ بعيد لو قُدِّر لها أن تُطبَّق على أرض الواقع .
و لكن أمام حملات التغريب التي مارستها السلطة الشيوعيَّة الحاكمة ،لم يكن من السهل أن تلقى صيحات نذيرٍ كهذه أُذُناً صاغيةً ، أو أفئدةً واعية ، ممَّا جعل الأمور تستمرُّ في التردي و الانحلال .
إلاَّ أن بعض نساء البوسنة استيقظن على معاناة إحدى أخواتهم و هي تلقى العناء ، و تتعرَّض إلى البلاء ، بسبب عودتها إلى الحجاب بعد أن كانت مثلاً في البعد عن الدين ، بل و محاربته و الملتزمين به .
فقد فوجئ الحزب الشيوعي بشرخ في صفوفه ، حينما أعلنت عضوته الشهيرة و النشطة الدكتورة مليكة صالح بيكوفيتش – التي سبق ذكرها قريبا -رغبنها في ارتداء الحجاب ، ثمَّ نفذت قرارها بالفعل عام 1398هـ / 1978 م ، فكانت أوَّل امرأة بين ملايين النساء المُسلمات في يوغسلافيا ترتدي الحجاب الشرعي علانية ، و هنا بدأت مأساة مليكة الكاتبة و الشاعرة ، حيث تعرَّضت إلى أقسى و أعنف درجات الاضطهاد من الحزب الشيوعي الذي تحدَّته و هاجمته علَناً ، ممَّا أدى بها إلى غياهب السجون ، و أذاقها مُرَّ العذاب طوال خمس سنوات قضتها في السجن ، ثمَّ خرجت بعدها لتعيش مع ابنها الوحيد أمير على سطح أحد المباني و هي لا تملك شروى نقير ، و ازداد الأمر سوءاً حين مُنعت من الاتصال بالناس , و تُركت في مواجهة العوز و الفاقة و الوحدة حتى الموت !!
إنه مثال ـ و أيُّ مثال رائعٍ هو ـ لامرأة من البوشناق آثرت اللحاق بركـب الخالدات .
أمَّا في عهد الاستقلال الذي أعقب الحرب الأخيرة في البوسنة ، الذي غدت فيه مليكة أسوة حسنة ، و مثالاً يحتذى ، و رائدة للحركة النسائية المسلمة في البوسنة و الهرسك ، فقد تغيرت أوضاع المرأة إلى حدٍ كبير ، و تركت المحنة أثراً إيجابياً في النفوس حينما عرَّفت المسلمين بقيمة دينهم الذي بُذلت التضحيات و أريقت الدماء في سبيله .
تقول فخيرة جنكيتش الكاتبة البوسنويًّة المسلمة : إنني أقرأ القرآن الكريم باستمرار ، و مع اندلاع الحرب بدأت أفهم الكثير من معانيه و مفاهيمه ، و بدأ معنى الجهاد يتضح لي ، كما أني بدأت أدرك الاهتمام الكبير الذي كان يوليه الرسول الكريم  لقطرة من دم الشهيد . الآن بدأنا نعرف قيمة دماء الشهداء بعد أن وضعتنا هذه الحرب في امتحان عسير ... إنني و أمثالي من النساء نزداد حماساً و شجاعة عندما تطرق آذاننا أخبار تضحيات المسلمين ، كنبأ مقتل مجموعة من الفتيات المسلمات على أبواب الجامعات في سراييفو .
و لا عجب في أن يكون للمرأة المسلمة دور في الجهاد تضطلع به في مؤازرة الرجال المجاهدين في سبيل الله دفاعاً عن دينهم ، و ذوداً عن ديارهم و أعراضهم ، و هذا الدور المشرف – بضوابطه الشرعيَّة - كانت المرأة البوسنوية المسلمة تقوم به كلَّما دارت رحى الحرب في بلادها ، فقد روى المؤرخ فلاديسلاف سكاريتش أحد شهود العيان على مقاومة المسلمين لاجتياح الجيش النمساوي المجري لسراييفو سنة 1294 هـ / 1878م ، أن النساء المسلمات شاركن مع الرجال في التحصن بجامع علي باشا القديم في سراييفو ، و إطلاق الرصاص على قوات الاحتلال من نوافذ الجامع و مئذنته ، و قد بقيت هذه المقاومة غير المتكافئة مستمرة حتى آخر رصاصة ، و بعدها صعد الجنود الغزاة المئذنة ، و ألقوا بالنساء المجاهدات إلى رفاقهم في الأسفل الذين مزًّقوهن بالحراب في وحشية لا يستبعد مثلها من أعداء الإسلام .
و رغم أن دور المرأة المسلمة في الحرب الأخيرة كان أقل من هذا بكثير - لأنها كانت هدفاً و ضحية من ضحاياه ، و عرضةً لأفظع أنواع التعذيب و الإذلال جسمياً و نفسيّاً - فقد تأثرت تأثراً كبيراً بمسيرة الجهاد و المجاهدين في بلادها .
و ترك الجهاد و المجاهدون في حياة المرأة المسلمة أثراً لا يُنكره إلا مكابر ، حيث شهدت البلاد عودة الحجاب الشرعي من جديد ، و بعد أن اعتبر الحجاب الإسلامي مظهراً شاذاً و خارجاً عن المألوف في المجتمع البوسنوي ، و لم تعد ترتديه إلا ندرة من النساء المسلمات أو تعرفه إلا نساء بعض الأئمة و العُلماء ، عاد و دخل مُعظم البيوت ، و أقبلت عليه الفتيات المسلمات حتى الصغيرات اللاتي في سن التمييز منهن بشغف ، و أصبح من المظاهر التي لا تغيب عن العين في مُدن البوسنة و شوارعها 0
تقول الكاتبة فخيرة جنكيتش السالفة الذكر أيضاً : شهدت السنوات الأخيرة عودة ملموسة إلى الإسلام من قبل النساء عندنا ، و ظهر جليا التزامهن بالحجاب الإسلامي ، و تمسكهن بالتقاليد و الآداب الإسلامية و خصوصا في المدارس ... لقد سعى النظام الشيوعي السابق إلى إبعاد نساءنا عن الهوية الإسلامية الأصيلة . فعلى سبيل المثال كانت كلّ صورة شخصية بالحجاب مرفوضة من قبل الدوائر الرسمية و مؤسسات الدولة ، و لا تصلح لإصدار بطاقة الأحوال المدنية أو الهوية الشخصية ، أو جواز السفر . و لكن بعد اندلاع الحرب أخذ الاحساس بالروح الإسلامية يتنامى لدى النساء و بدأت مرحلة جديدة من العودة إلى الروح الإسلامية الأصيلة على كافة الصعد .
نعم لقد عادت الكثيرات من المسلمات إلى ما كانت عليه السابقات من الحشمة و العفة ، فظهرت في ميادين سراييفو و مدن البوسنة الأخرى المسلمات متلفِّعات بالسواد ، ما بين محتجبةٍ و منتقية .
و عاد النقاب إلى البوسنة في كنف الجهاد ، و كان أعظم الأثر في عودته للمجاهدين العرب – و عامَّتهم من الحنابلة – الذين يرون وجوب النقاب .
و من خلال الدعوة المواكبة للجهاد ، ظهر النقاب بقوة حينما ارتدته مئات البوسنويات ، و بخاصَّة زوجات المجاهدين ، و المتأثرات بهم ، و ما أكثرهن !
و لم تكن عودة النقاب بدعةً محدثةً في حياة المسلمات البوسنويات ، و لكنه عودة إلى الجذور ، و تمسك بالأصول التي كانت عليها البوسنويَّات الأوليات في البوسنة ، بحسب ما يراه أنصاره .
أمَّا المشيخة الإسلامية التابعة لرئيس علماء البوسنة و الهرسك ، و المؤسسات التابعة لها كالكلية و المعاهد و المدارس الإسلامية ؛ مُمثَّلة في دُعاتها القدامى و من تربى على أيديهم ، فقد أوصدت أبوابها في وجه النساء المنتقبات ، و تصدت لدعاة النقاب مُشككةً في علمهم و خبرتهم تارةً ، و متهمة لهم بتشويه صورة الإسلام تارة و التبعية للدعوة السلفية ( التي تُعارضها المشيخة ) تارةً أخرى .
و يرى أتباع المشيخة الإسلاميَّة أن مسألة النقاب تتجاذبها أدلَّة شرعية ، و أعراف و تقاليد بشرية ، و بالتالي فهم لا يُسلِّمون بكونـها مسألة شرعية محضة لها ما يؤيِّدها في الكتاب و السنة ، و هم لا يخصون بهذه النظرة النقاب ، بل يقولون القول ذاته فيما يخصُّ الاختلاط ، و مسائل أُخرى تتعلّق بالمرأة المسلمة ، و بحسب نظرتهم فإنَّ (( وضع المرأة المسلمة اليوم يأتي نتيجة تأثير مشترك للشريعة الإسلاميَّة من جهة ، و العرف و الذوق و المستوى الأخلاقي للبيئة التي تعيش فيها من جهةٍ أخرى . . . فتغطية وجه المرأة أمر غير معروف في بعض البلدان ، في حين ترقى هذه المسألة في بلدان أخرى إلى مستوى الواجب الديني ، و يُدافع عنها بالأدلة
الشرعيَّة )) .
و يعتبرها بعضهم من مظاهر تسلُّط الرجل على المرأة و استغلاله ( و ربما استعباده ) لها ، حيث (( كان يحبسها داخل البيت ، بعيداً عن الحياة و المجتمع ، و يسدل على رأسها الجلباب و النقاب ، حتى لا نتمكن من رؤية ما يجري حولها ، و يتهاون في تعليمها ، فظلت جاهلةً متخلفة )) .
و بين الطرفين برز اتجاه وسطي يُقرُّ الأمرين ، و لا يُنكر على ذات خمار أو نقاب ، ما دام الأمران مستندين إلى أدلَّة شرعيَّة ، و قد قال بكلٍ منهما أئمة فقهاء ، و ارتضاهما جهابذة العلماء ، مؤثراً الانشغال بمسائل أخرى كدعوة غير المحجبات إلى الحجاب ، و تعليم الفتيات المسلمات أمور دينهن .









المبحث الثاني
حال المرأة البوسنويَّة المسلمة في ميزان السنة النبويَّة
بعد هذا العرض لحال المرأة المسلمة في البوسنة و الهرسك و التزامها بدينها و ما مرت به من ظروف و تحولات أثرت على انتسابها إلى الإسلام و التزامها بأحكامه سلباً و إيجاباً خلال قرن من الزمن تقريباً ، يمكننا أن نحصر البحث في ثلاث نقاط رئيسة هي :
• الالتزام بالزي الشرعي ( كالحجاب و النقاب و ما إليهما ) .
• الالتزام بالآداب الشرعـية في الحياة الاجتماعيـة ( كعدم التشبه أو الاختلاط بالرجال في العمل و غيره ) .
• التقيد بأحكام الشرع في الأحوال الشخصية ( كالتحلي بالعفة واشتراط موافقة الولي في النكاح ، و عدم الاقتران بغير المسلمين ) .
و من خلال عرض حال المرأة المسلمة في البوسنة في هذه المجالات الثـلاث على نصوص السنة النبوية يمكننا الوقوف على مدى التزامها بالهدي النبوي الكـريم و هو ما سنبيِّنه من خلال المطالب التالية :




المطلب الأول : استدلال الدعاة البوسنويُّين بنصوص السنة النبويَّة في مجالات التزام المرأة المسلمة في البوسنة :
المقصد الأوّل  استدلال الدعاة البوسنويين بالسنة في دعوتهم إلى الحجاب و النقاب .
مع عودة النقاب إلى البوسنة و ظهوره بشكل ملحوظ في ملتزمة الحرب الأخيرة من النساء ، ظهرت كتابات كثيرة تؤيِّد القول بوجوب النقاب ، منها القديم الذي أعيد نشره ، و منها ما كتب حديثاً ، و الكلُّ من رسول الله مُقتبسٌ .
و من أجود ما عرفته المكتبة الإسلاميَّة في البوسنة في هذا الباب كتاب تحت عنوان ( غطاء الوجه بين الوجوب و الاستحباب ) تأليف الحافظ سنايد زعيموفيتش ، و قد أشار في مطلعه إلى ما يؤيد قولنا و ذكر شهادات من ذكرنا على أنَّ النقاب ليس بدعاً في حياة المسلمات البوسنويات بل هو قديم قِدَم الفتح الإسلامي لبلادهن ( ) .
و قد جمع المؤلف في هذا الكتاب عدّة آيات من القرآن الكريم ، ليس في أيِّ منها دلالة صريحة على وجوب النقاب ، ممَّا جعله يشفعها بطائفةٍ من أدلة السنة النبويَّة الشريفة ، تؤيد قوله ، و تجلي النـزعة الحديثيَّة في دراسته ، حيث رواها مسندة ، باللغة العربية ، ثمَّ ترجمها إلى اللغة البوسنويَّة ، و خرَّجها من كتب الحديث المعتبرة ، و بيّن درجتها في ضوء أقوال أهل العلم القدامى و المعاصرين ، و



وجه دلالتها على المقصود ، و اعتراضات المخالفين ـ إن وُجدت ـ ثمَّ مناقشتها و الردُّ عليها .
فجاء عرضه على النحو التالي :
أوَّلاً : إيراد حديثين صريحين في الدلالة على وجوب احتجاب النساء عن الرجال و هما :
1 ) عن عبد الله بن مسعود t ، عن النبي  قال : (( المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان )) .
و هذا نصٌ في المسألة – بحسب رأي القائلين بوجوب النقاب – لأنَّ التعريف بالألف و اللام يفيد العموم و الاستغراق ، و عليه فقوله  : (( المرأة عورة )) عامٌ ، لا يُستثنى منه وجهٌ و لا كفَّان و لا أيّ شيءٍ آخر .
2 ) عن الجعد أبي عثمان ، عن أنس بن مالك t ، قال : (( تزوَّج رسول الله  فدخل بأهله ، قال فصنعت أمي أم سليم حيساً فجعلته في تَوْر فقالت : يا أنس ! اذهب بهذا إلى رسول الله  فقل : بعثت بهذا إليك أمي ، و هي تقرئك السلام و تقول : إن هذا لك منَّا قليل يا رسول الله . قال : فذهبت بها إلى رسول الله  فقلت : إن أمي تقرئك السلام و تقول إن هذا لك منَّا قليل يا رسول الله . فقال : ضعه . ثم قال : اذهب فادع لي فلاناً و فلاناً و فلاناً و من لقيت ، و سمى رجالاً . قال : فدعوت من سمى و من لقيت ، قال الجعد : قلت لأنس عدَدَ كم كانوا ؟ قال : زهاء ثلاث مائة ، و قال لي رسول الله  : يا أنس هات التَور . قال : فدخلوا حتى امتلأت الصُّفة و الحجرة ، فقال رسول الله r : ليتحلق عشرة عشرة ، و ليأكل كل إنسان مما يليه . قال : فأكلوا حتى شبعوا . قال فخرجت طائفة و دخلت طائفة حتى أكلوا كلهم ، فقال لي : يا أنس ارفع ، قال : فرفعت فما أدري حين و ضعت كان أكثر أم حين رفعت ، قال : و جلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله  ، و رسول الله  جالس و زوجته مُولِّية و جهها إلى الحائط . فثقلوا على رسول الله  فخرج رسول الله  فسلَّم على نسائه ثم رجع ، فلمّا رأوا الرسول  قد رجع ظنُّوا أنهم قد ثقلوا عليه . قال : فابتدروا الباب فخرجوا كلهم و جاء رسول الله  حتى أرخى الستر و دخل و أنا جالس في الحجرة ، فلم يلبث إلا يسيراً حتى خرج عليَّ و أنزلت هذه الآية ، فخرج رسول الله  و قرأها على الناس :  يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه و لكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا و لا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي  ] الأحزاب : 53 [ إلى آخر الآية ، قال الجعد : قال : أنس بن مالك أنا أحدث الناس عهداً بهذه الآية و حجبن نساء النبي  )) .
و دلالة هذا الحديث على المراد من جهتين :
أولاهما : فعل أمّ المؤمنين زوج النبي  ، حيث كانت كما قال الراوي : (( مولِّيةً وجهها إلى الحائط )) .
و ثانيهما : قول أنس بن مالك t ، بعد : (( و حُجبن نساء النبي  )) بعدنزول الآية الكريمة .
فإذا كان هذا حال نساء النبي  و هنَّ أمهات المؤمنين ، فغيرهن من النساء المؤمنات أولى بالاحتجاب عن الرجال الأجانب .
ثانياً : إيراد أحاديث تدل بطريق قياس الأولى على وجوب احتجاب النساء عن الرجال ، و منها :
1 )عن أم سلمة رضي الله عنها أنَّها كانت عند رسول الله  و

ميمونة رضي الله عنها ، قالت : (( فبينا نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه ، و ذلك بعد ما أمرنا بالحجاب ، فقال رسول الله  : احتجبا منه ، فقلت : يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا و لا يعرفنا ؟ فقال رسول الله  : أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه )) .
و وجه الدلالة في هذا الحديث أن احتجاب المرأة عن الأجنبي البصير أولى من احتجابها عن الأعمى الضرير الذي لا يراها .
2 ) و عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله  :
(( من جرَّ ثوبه من الخيلاء لم ينظر الله إليه )) قالت أم سلمة رضي الله عنها  يا رسول الله فكيف تصنع النساء بذيولهن ؟ قال : (( ترخينه شبراً )) قالت  إذاً تنكشفُ أقدامهن . قال : (( ترخينه ذراعاً لا تزدن عليه )) .
فإذا كان هذا التشديد كلّه على وجوب ستر قدمي المرأة ، و لو بسدل ذيلٍ بقدر ذراعٍ عليهما ، فمن باب أولى المبالغة في ستر وجها الذي هو مجمع حسنها ، و أدعى للافتتان بها .
3 ) عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله  : (( لا تباشر المرأةُ المرأةَ فتنعَتَها لزوجها كأنّه ينظر إليها )) .


ثالثاً : إيراد أحاديث تدل بطريق المخالفة على وجوب احتجاب النساء عن الرجال ، و قد أورد المؤلِّف ثلاثة أحاديث في هذا السياق ، و هي :
1) عن المغيرة بن شعبة  قال : أتيت النبي  فذكرتُ له امرأة أخطبها فقال اذهب فانظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينكما ، فأتيت امرأة من الأنصار فخطبتُها إلى أبويها و أخبرتهما بقول النبي  فكأنهما كرها ذلك ، قال فسمعت ذلك المرأة و هي في خدرها ، فقلت : إن كان رسول  أمرك أن تنظر فانظر و إلا فأنشدك كأنها أعظمت ذلك ، قال : فنظرت إليها فتزوجتها فذكر من موافقتها )) .
2) عن محمد بن مسلمة  قال : خطبتُ امرأةً فجعلتُ أتخبَّأُ لها حتى نظرت إليها في نخل لها ، فقيل له : أتفعل هذا و أنت صاحب رسول الله  ؟ فقال : سمعت رسول الله  يقول : إذا ألقى الله في قلب امرئ خِطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها )) .
3) عن أبي حميدٍ ( أو حميدة )  قال : قال رسول الله  : (( إذا خطب أحدكم امرأةً فلا جناح عليه أن ينظر إليها ، إذا كان إنما ينظر إليها لخطبته و إن كانت لا تعلم )) .
4) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّه قال : (( لا تنتقب المرأة المحرمة و لا تلبس القفازين )) .
و من الظاهر أن وجه دلالة أحاديث الترخيص في نظر الخاطب إلى مخطوبته ، على المراد ؛ أنه لو لم يكن الأصل في ستر وجه المرأة الوجوب ، لما كان ثمَّة معنىً للترخيص في نظر الخاطب خاصَّةً .
أمَّا وجه دلالة حديث نهي المحرمة عن لبس النقاب و القفازين ، فهو أنَّ تقييد النهي بحالة الإحرام يدلُّ بطريق المخالفة على أن النهي يرتفع بمجرَّد ارتفاع حالة الحظر ، و لو لم يكن الأصل في ستر المرأة وجهها الوجوب – أو الاستحباب على أقلِّ تقدير – لما كان للنهي عنه في حالة الإحرام داع .
ثالثاً : إيراد بعض الأخبار الدالة على احتجاب النساء عن الرجال في زمن النبي  ، سواء كان ذلك باعتزال مجالس الرجال أو بإسدال النقاب ، و من هذه الأخبار :
1) عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : (( كان الرجال يمرُّون بنا و نحن مع رسول الله  محرماتٌ ، فإذا حاذَوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه )) .
2) عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : (( كُنَّ نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله  صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس )) .
3) روى ابن هشام عن أبي عون ٍ قال  (( كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجَلبٍ لها فباعته بسوق بني قينقاع ، و جلست إلى صائغٍ بها فجعلوا يريدونها على كشف وجهها ، فأبت . فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها ، فلما قامت انكشفت سوأتها ، فضحكوا منها ، فصاحت . فوثب رجلٌ من المسلمين على الصائغ فقتله و كان يهودياً ، و شدّت اليهود على المسلم فقتلوه ، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود ، فغضب المسلمون . فوقع الشرّ بينهم و بين بني قينقاع )) .
فهؤلاء أمهات المؤمنين ، و نساء عهد النبوَّة الصحابيَّات الطاهرات ، يحتجبن عن الرجال إذا حاذوهنَّ ، بإسدال النقب على وجوههن ، و يخرجن مُغلساتٍ حتى لا يعرفهنّ الرجال .
و هذه إحداهن لا تضع النقاب عن وجهها في سوق عامّة تجّاره و روّاده من اليهود ، و يؤدي ذلك بتداعياتهو ما ترتب عليه إلى حربٍ ضروس بين المسلمين و اليهود ، فأين من يبحث عن الفتاوى ( العصريّة ) المتساهلة بدعوى أن بعض أحكام الإسلام ( و منها ستر الوجه ) يحسن عدم التمسك بها عند الإقامة في بلاد الكفّار أو المجتمعات الغربيّة ، و إن كان الأصل في أبناء بعضها الانتماء إلى الإسلام ( كما هو الحال في البوسنة ) من موقف هذه المرأة و من ناصرها من المسلمين الأوائل .
ثمَّ أورد المؤلِّف أدلةَ المخالفين في مسألة النقاب ، و هم القائلون بوجوب الخمار ( غطاء الرأس ) و الجلباب – بشروطه المقررة شرعاً - على سائر بدن المرأة عدا الوجه و الكفَّين ، و التزم في عرضه لهذه الأدلَّة من السنة النبوية المنهج الذي التزم به في عرض أدلَّة القول الأوَّل الذي اطمأنَّ له و رجَّحه ، حيث رواها مسندة باللغة العربية ، ثمَّ ترجمها إلى اللغة البوسنويَّة ، و خرَّجها من كتب الحديث المعتبرة ، ذاكراً أقوال أهل العلم فيها من جهة القبول و الردَّ ، و وجه دلالتها على المقصود ، ثمَّ ناقش شبه المخالفين و ردَّ عليها .
و أمام المنهج الذي سلكه الشيخ الحافظ سنايد ، يلزمنا الإقرار بأنَّ ما تحلَّت به النساء البوسنويَّات من الحشمة و العفة ، حيث أسدلن النقب على وجوههن ، ليس – كما يردد المخالفون - تأثراً بأبناء الأمم الأخرى ، أو تمسكاً بتقاليد و تراث الآباء و الأجداد ، و لكنه التزامً بهدي نبيِّهم  ، و تمسُّكاً بسنَّته ، و اقتداءً بأمَّهات المؤمنين ، و الصحابيَّات الطاهرات رضوان الله عليهنَّ أجمعين ، و هو ما يبيِّن مدى تأثر المرأة البوسنويَّة بالسنة النبوية ، و احتكامها إلى الحديث الشريف في الدفاع عن نقابها و حجابها ، و سلوكها الإسلامي الرفيع .
المقصد الثاني  استدلال الدعاة البوسنويين بالسنة في الدعوة إلى التزام المرأة بالآداب الشرعـية في حياتها الاجتماعيـة .
أمام السيل الجرار الذي جرف أمامه الكثير من الآداب الشرعية التي كانت تميّز المرأة المسلمة في البوسنة كان دور العلماء كبيراً ، و الواجب المناط بهم أداؤه جسيماً ، و من ذلك تبصير المرأة بحقيقة ما يكاد لها ، و ما يراد أن تصير إليه من فساد و إفساد .
و لذلك اشتد نكير العلماء البشانقة للمنكرات الطارئة على حياة المرأة في مجتمعهم الذي كان يوصف بالمحافظ ، فأنكروا تشبه المسلمات بغيرهن في اللباس ، و منافستهن الرجال في الخروج و العمل المختلط ، و إقحامهن فيما يصطدم بفطرتهن , كالانخراط في السياسة و التظاهر جنباً إلى جنبٍ مع الشيوعيين رجالاً و نساءً .
و كانت نصوص السنة النبويّة تُكأة العلماء في إقامة الحجة على ما يدعون إليه ، و لا تزال هذه النصوص راسخةً في أذهان الكثيرين و تتردد على ألسنة الطاعنين في السنّ الذين أدرك بعضهم الحكم النمساوي المجري لبلادهم ، و عاش معظمهم في عهد الملكية ثم الشيوعية اليوغسلافيتين ، و عاصروا مراحل الانحلال التي تقلّبت فيها المرأة المسلمة بعد إقصاء الإسلام عن حياتها ، و قد صدق قائلهم حين قال  (أنجبتنا النساء الطاهرات ، و أنجبْنا المتحرّرات الفاسدات ) ، و قال آخر  ( ربّانا آباؤنا ، و ربّى أبناءَنا أعداؤُنا ) .
و ممّا سمعت من هؤلاء ، أشير إلى جملة من الأحاديث النبويّة الشريفة الناهية عن اختلاط النساء بالرجال التي سمعوها و وعوها من العلماء البوشناق ، و رووها لي بالمعنى ( و إن لم يكن بوسعهم العمل بمقتضاها قبل استقلال
بلادهم ) ، و هي قليلٌ من كثير 
1) حديث تأخير صفوف النساء عن صفوف الرجال حين شهودهن الجماعة مع المسلمين في المساجد ، و خروجهن قبل الرجال

متلفّعات بمروطهنّ لا يعرفن من الغلس .
2) حديث تفضيل صلاة المرأة في بيتها عن صلاتها في المسجد ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ، و بيوتهن خيرٌ لهن ) .
3) حديث ( على رسلكما إنها صفية ) .
و أخيرا نجد أن ما عرف عن المرأة المسلمة في البوسنة , من حفاظ على العفة , و الآداب , و الحشمة , واللباس الشرعي , لم يكن عادة متوارثة , أو تقليدا لأخواتها في المشرق الإسلامي , و لكنه بباعث من اتباع هدي النبي  , والتأسي بأمهات المؤمنين , و الصحابيات الفضليات زضوان الله عليهن أجمعين .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
حال المرأة المسلمة في البوسنة والهرسك
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
sidi bel abbes :: منتديات الأسرة :: شؤون حواء :: المرأة المسلمة-
انتقل الى: